تاريخ العرب في الاندلس

يسعدنا أن نقدم من خلال هذه النافذة معلومات عن تاريخ العرب في الاندلس

بين يدي صاحب الجلالة ملك اشبيلية :: د. خلف المنشدي

زقاق من ازقة اشبيلية كما تركه المعتمد

          

                          
 نسج الريح على الماء زرد .......أي درع لقتال لو جمد

 

تقول روايات التاريخ بان ولي عهد مملكة اشبيليا أبو القاسم محمد بن عباد بن محمد بن اسماعيل بن عباد العربي القحطاني  التقى بالريميكية  عن طريق الصدفة ومنذ تلك (الصدفة ) استولت على حواسه وحياته وطريقة عيشه رغم ان الرميكية كانت خادمة عند رميك تعتني ببغاله وترعاها ، لكن بن عباد لشدة تعلقه بها غير حتى اسمه ليصبح قريبا من اسمها : المعتمد بن عباد الفارس والشاعر أسير اغمات المراكشية فيما بعد  .

كتب التاريخ تحدثنا عن تلك الصدفة التاريخية عندما كان أبا القاسم ولي عهد اشبيليا وصديقه الشاعر المعروف ابن عمار يتخفيان بملابس عامة الشعب ويسيران قرب شاطيء نهر الوادي الكبير يتباريان في مطاردة شعرية كان لها أعظم الأثر في حياة الأمير الشاب حيث تحدى الأمير صديقه الشاعر ابن عمار ان يجيز قائلا :

نسج الريح على الماء زرد  ، فتردد ابن عمار وتلكأ وأبطأ ولم تسعفه قريحته حتى سادت فترة صمت اعتقد الأمير بان ابن عمار الشاعر الكبير قد خانه الشعر  ، لكن صوتا نسائيا عذبا واثقا قطعها ليكمل بيت الشعر الذي احتار ابن عمار به :

أي درع لقتال لو جمد

أصابت الحيرة الأمير وصديقه الشاعر لان الصوت النسائي المنبعث من العدم كان بليغا وحقيقيا ، فالتفت الأمير لذلك الصوت ليكتشف امرأة ساحرة جميلة أخذته بجمالها وفصيح لسانها ، عندها ذهب بها الى قصره بعد ان أخبرته بأنها مجرد خادمة، تدعى اعتماد وتلقب بالروميكية نسبة لسيدها رميك فحررها من سطوة رميك وتزوجها ومنذ تلك الصدفة التاريخية تسمى باسمها وأصبح اسمه المعتمد تشبها باعتماد .

أصبح المعتمد بن عباد ملكا لاشبيليا فيما بعد واشتهر بالفروسية والكرم والشعر أيضا وكما هي شروط الفروسية عند العرب في قديم الزمان لا بد وان تكون مقترنة بالشعر فالفارس لكي يكون كاملا لابد ان يكون شاعرا ، وقد تناولت كتبت التاريخ ابن عباد بما يعجز الإنسان عن وصفه وبقي طيلة حياته التالية متيما بالرميكية حتى وفاته ،وعندما ماتت ظل ينتظر اجله لكي يدفن بجانبها بقرية اغمات المراكشية المغربية .

في كل مرة ازور بها مراكش كان علي الذهاب إلى اغمات لإلقاء التحية على ملك ملوك الأندلس وشاعرها القحطاني (اللخمي ) سجين اغمات حيث عامله الامير يوسف بن تاشفين معاملة مذلة وقاسية لا تتفق مع ما هو معروف عن الأمير المرابطي من نخوة ومروؤة، بحيث لم يكن يرضى بن تاشفين بأقل من موت المعتمد ، بعد ان عرضه للفاقة والمذلة والعوز وتقول كتب التاريخ بان ملك إحدى عواصم العالم القديم عاش على ما تكسبه بناته في أعمال الغزل ، فاغمات وقبر ابن عباد والرميكية المدفونة إلى جانبه شكلت بالنسبة لي دائما رابطا جعل من مراكش المدينة الجميلة حجة دائمة لزيارة تخوم الصحراء والمدينة الحمراء لان اغمات فيها حيث يرقد الملك الكبير المعتمد بن عباد .

كان المعتمد ملكا من ملوك الطوائف ، وكانت حروب أولئك الملوك فيما بينهم واعتماد بعضهم على دعم الممالك المسيحية كما يحدث اليوم أدى في آخر الأمر إلى انقراض ممالكهم وانقراض الدولة العربية في الأندلس نهائيا بخروج آخر ملوك بني الأحمر من غرناطة : أبو عبد الله الصغير الذي عيرته امه بذلك الخطاب الشهير : بأن يبكي كالنساء على ملك لم يحافظ عليه مثل الرجال ، لكن ملك اشبيليا الشهير بفروسيته وكرمه وأدبه هو في الأصل من فتح أبواب الأندلس مضطرا للمرابطين وزعيمهم يوسف بن تاشفين ومنحهم الجزيرة الخضراء مقرا لجيوشهم رغم تحذيرات أصدقائه حيث كان يجيبهم بقوله الشهير ( رعي الغنم في مراكش خير من رعي الخنازير في قشتالة ) وكان  على إدراك بقوله هذا ان عهد ممالك الطوائف في طريقه للزوال بعد ان عجزت عن توحيد نفسها رغم المخاطر التي تحيط بها ، والتاريخ العربي لم يتغير منذ ذلك الزمان حيث تعيش دويلات الطوائف العربية الحالية نفس المأساة ونفس المأزق اعتمادا على الممالك المسيحية ، لكن المعتمد  في  حقيقة الامر جنى على نفسه لان يوسف بن تاشفين لم يكن يحمل أي برنامج اصلاحي لمشكلة الممالك المتصارعة وكان همه الأول توسيع حدود تلك الإمبراطورية وبقوة السلاح وفرض قوانينها على الجميع فخسر الجميع في آخر الأمر كل شيء إذ انهارت إمبراطورية المرابطين بوفاة قائدها الكبير بن تاشفين ولم يستطع القادة الذين تولوا الأمر من بعده الحفاظ على الأندلس التي استولوا عليها بغية إصلاحها أو إصلاح الأمر فيها لأنهم كانوا يريدون فقط توسيع حدود تلك الإمبراطورية ولم يقدموا ما يمكن ان يعزز بقائها وصمودها بوجه هجمات الممالك الاسبانية بحيث وقعت  فيما بعد بلاد يوسف بن تاشفين نفسها ضحية لاستعمار هذه الممالك، إذ لم يفعل الأمير ألمرابطي غير تأخير  موت دولة الأندلس إلى اجل محدود .

لقد استنجدت الاندلس بامير المرابطين يوسف بن تاشفين بسبب ضغط الفونسو ملك قشتالة  على ملوك الطوائف واحتلاله لمدنهم الواحدة تلو الأخرى وكان الاستنجاد الأول قد جاء من ملوك اشبيلية وغرناطة وقرطبة وطليطلة ، ولم يتأخر الأمير المرابطي من عبور مضيق جبل طارق بجيش جرار واجه به الفونسو وهزمه شر هزيمة حيث عادت جيوش المرابطين الى المغرب بعد ذلك النصر العظيم طالبا أميرها من ملوك الطوائف ضرورة ان يتوحدوا وان يشكلوا جيشا قويا لإدراكه بان الفونسو المهزوم سيعيد الكرة ، لكن بعد سنوات من تلك الأحداث عاد  واستنجد ملوك الطوائف مجددا بأمير المرابطين صاحب النخوة الذي جهز جيشا من قرابة 60 ألف محارب وعبر بهم مجددا نحو الأندلس والتقى هذا الجيش وجها لوجه مع جيش الفونسو الذي يعد آنذاك أقوى جيوش اوربا في معركة الزلاقة الشهيرة حيث انتصر جيش المرابطين وهزم الفونسو مجددا لكن المرابطين خسروا الالاف من جنودهم في تلك المعركة القاسية التي سميت بالزلاقة لكثرة انزلاق الخيل على أرضها بسبب غزارة الدماء غير ان الامير بن تاشفين لم يسكت هذه المرة على لا مبالاة ملوك الطوائف وقرر إخضاع الأندلس للإمبراطورية المرابطية  وأطاح بملوك الطوائف ، وكان نصيب ابن عباد هو الأقسى رغم مشاركته الكبيرة في معركة الزلاقة فاخذوه أسيرا ووضعه المرابطون هو وعائلته في سفينة مخرت مياه ( نهر )الوادي الكبير حيث وقف الناس على ضفتي النهر لتوديعهم ومن هناك الى عاصمة المغرب القديم مراكش حيث وضع مقيدا ومنفيا في قرية اغمات وكان ذلك سنة 581 هجرية 1091 ميلادية حسب التواريخ التي وردت في كتب المؤرخين الذين عاصروا تلك الفترة رغم انها تبدو ليست دقيقة  لاختلاف المؤرخين فيها .

تبعد قرية اغمات عن عاصمتها الرائعة مراكش مسافة 30 كيلو مترا وكما أشرت سابقا ففي كل زيارة للمدينة الحمراء كنت اذهب إلى اغمات لإلقاء التحية على أسيرها الملك الذي حول اسم تلك القرية  الى اسم شهير في خريطة العالم العربي على اقل تقدير ، فقد انتهى ذلك الملك في تلك القرية التي نفاه فيها بن تاشفين ، وهناك يجد الزائر ثلاثة قبور : قبر الملك ابن عباد وقبر حبيبته وزوجته الرميكية وابنه .

لقد كتبت أجمل قصائد الرثاء بحق ملك اشبيليا وواحدة منها مكتوب مطلعها على جدران ضريحه قالها الشاعر ابو البحر بن عبد الصمد عند زيارته للضريح :

ملك الملوك أسامع فانادي            أم قد عدتك عن السماع عوادي

أما الشاعر والوزير الأندلسي لسان الدين الخطيب فقد رثاه قائلا عندما زار قبره :

قد زرت قبرك عن طوع باغمات        رأيت ذلك من أولى المهمات

لم لا أزورك يا أندى الملوك يدا        ويا سراج الليالي المدلهمات

 

توفي ملك اشبيليا في 11 شوال 585 هجرية ( 1095 ميلادية ) وقد سبقته اعتماد ودفنت في مكان قريب من مكان إقامته ولم يعش الملك في الأسر إلا أربعة سنوات وبضعة اشهر ويدل ذلك على طبيعة الحياة القاسية التي تعرض لها  ودفن إلى جانب اعتماد .

دون شك ان ملك اشبيليا ارتكب عملا قاتلا عندما تعاون مع بعض الممالك الاسبانية كما يقال  وتسبب  بسقوط طليطلة التي كانت تحت سلطة بني( ذي النون ) ربما دفاعا عن حكمه وهذا هو السبب الذي جعل الامير المرابطي يوسف بن تاشفين  ينقله الى اغمات لانه اعتبر  ذلك العمل خيانة جسيمة لدماء المرابطين كما ان سقوط طليطلة وسع من نفوذ الفونسو نحو جاليقيا ( غاليسيا ) والبرتغال المحاذية  وكان ذلك السقوط مدويا ادى الى فتح الطريق امام امارات شمال شبه جزيرة ايبريا للاستيلاء على دويلات الطوائف وهنا يكمن غضب الامبراطور يوسف بن تاشفين .

   ( جميع الصور المنشورة تم التقاطها بعدسة الكاتب )



الطريق الى اغمات قرب مراكش



قرية اغمات كما هو حالها اليوم



الى مرقد الملك الشاعر



مرقد الملك والى جانبه مرقد الرميكية وابنهما



اخر قصيدة كتبها ملك اشبيليا قبل وفاته

المصدر: موقع المنارة

 

 

Home
hispanoarabe.org 2002